صندوق النقد الدولي: 60مليار دينار إنفاق غير مُعلن في شرق ليبيا خلال 2024*

304

كشف صندوق النقد الدولي أن الإنفاق العام في شرق ليبيا خلال عام 2024 بلغ نحو 60 مليار دينار ليبي، وهو مبلغ لم يُدرج ضمن البيان المالي الرسمي لنهاية العام. وأشار الصندوق إلى أن هذا الإنفاق المرتفع، إلى جانب الإغلاقات المتكررة لحقول النفط نتيجة النزاعات، أدى إلى تحوّل الفائض الطفيف المتوقع إلى عجز مالي كبير، مما أسفر عن ارتفاع الدين العام.

وأوضح الصندوق أن على السلطات في ليبيا تعزيز ثقة الجمهور في القطاع المصرفي، إذ إن عدم الاستقرار السياسي وضعف المؤسسات قد أدّيا إلى تراجع الثقة في البنوك، ونتج عن ذلك نقص في السيولة النقدية بسبب الاكتناز المستمر للأوراق النقدية خارج الجهاز المصرفي.

وبيّن التقرير أن مصرف ليبيا المركزي كان مترددًا سابقًا في تلبية الطلب المتزايد على النقد للحد من تدفقات الأموال إلى السوق الموازية، لكن الإدارة الجديدة قررت معالجة هذا النقص وضخ أوراق نقدية جديدة من فئات صغيرة بقيمة 15 مليار دينار ليبي، وهو ما يمثل 7% من الناتج المحلي الإجمالي. واعتبر الصندوق هذه الخطوة مُرحّبًا بها، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في الاحتفاظ بالنقد.

ودعا الصندوق إلى تشجيع تطوير أدوات مالية لحشد الودائع وتقليل الاكتناز النقدي، مشيرًا إلى أن غياب خطط الادخار الجذابة، وارتفاع نسبة الاقتصاد غير الرسمي، يفسران إحجام الجمهور عن إيداع الأموال في النظام المصرفي.

وأضاف أن البنوك، منذ التحوّل إلى التمويل الإسلامي في عام 2013، اعتمدت بشكل أساسي على العمولات من توفير العملات الأجنبية، داعيًا مصرف ليبيا المركزي إلى توجيه البنوك لتقديم خطط ادخار فعّالة، والعمل على إزالة العوائق أمام توفير الائتمان للقطاع الخاص. كما أشار إلى بدء المصرف فعليًا في طرح أدوات مثل شهادات إيداع المضاربة المطلقة، إلا أنها تحتاج إلى مزيد من التحفيز.

وفي جانب آخر، شدد الصندوق على ضرورة تعزيز إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، عبر مواءمة القوانين مع المعايير الدولية، وتطوير فهم المخاطر، وتطبيق تدابير رقابية فعالة. واعتبر أن تحسين إشراف مصرف ليبيا المركزي سيسهم في معالجة مخاوف البنوك المراسلة.

وأكد التقرير أن العجز الأساسي غير النفطي في ليبيا يُعد من بين الأعلى في الدول المصدّرة للنفط بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مشيرًا إلى الفجوة الكبيرة بين الإيرادات غير النفطية والإنفاق الحكومي. وذكر أن الحفاظ على ثروة الدولة يتطلب خفض العجز غير النفطي إلى ما لا يزيد عن 15 مليار دولار سنويًا، بينما بلغ عجز عام 2024 نحو 39 مليار دولار.

ودعا الصندوق إلى خفض العجز تدريجيًا بشكل منظم لتجنب الآثار السلبية، مع التأكيد على أهمية اتخاذ خطوات إصلاحية مبكرة لضمان الاستدامة المالية.

كما حث السلطات الليبية على مقاومة ضغوط زيادة الإنفاق العام الجاري، خصوصًا مع توقعات بارتفاع عائدات النفط بنسبة 20% في عام 2025، مشددًا على ضرورة فصل الإنفاق عن تقلبات الإيرادات النفطية، وتفادي التوسع في بندي الرواتب والدعم.

وفي هذا السياق، أشار الصندوق إلى أن بعض الإجراءات مثل تقليص البعثات الدبلوماسية وترشيد الإنفاق والمنح الدراسية، رغم أهميتها، تبقى غير كافية، داعيًا إلى خطوات أكثر حسمًا للحفاظ على الموارد المالية.

وأكد أهمية بناء قدرات إدارة المالية العامة، معتبراً أن تعزيز وحدة الاقتصاد الكلي في وزارة المالية، وتوفير الكوادر المتخصصة والتدريب، يُمهّدان لإعداد ميزانية موحدة وفعالة في المستقبل، رغم استمرار الانقسام السياسي.

وفي القطاع المصرفي، أشار التقرير إلى أن البنوك الليبية نجحت في زيادة رؤوس أموالها، إذ أصدرت تعليمات في نهاية عام 2022 للامتثال لمتطلبات بازل 2، وحققت غالبية البنوك هذه الأهداف خلال عام 2024. وأسهم ذلك في مضاعفة رأس المال المدفوع وتحسين مؤشرات السلامة المالية، مع انخفاض نسب القروض المتعثرة.

وسجل القطاع الخاص نموًا في الائتمان، خصوصًا عبر تمويل المرابحة للأفراد وسلف الرواتب لموظفي القطاع العام، بينما ظلت قروض الشركات محدودة. ومع ذلك، لا تزال مشكلة اكتناز النقد وضعف الثقة في النظام المصرفي قائمة.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن ينتعش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال عام 2025 مدفوعًا بتوسع إنتاج النفط، قبل أن يتراجع إلى نحو 2% فقط على المدى المتوسط. وبالنسبة للاقتصاد غير النفطي، يُرجّح أن يستمر في النمو بمعدل يتراوح بين 5% و6%، مدعومًا بإنفاق حكومي مستدام.

أما على صعيد الحساب الجاري، فتشير التقديرات إلى فائض طفيف بنحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى عجز طفيف على المدى المتوسط، مع تراجع متوقع في أسعار النفط.

ورغم التحسن النسبي في المؤشرات المالية، توقع الصندوق أن يبقى الميزان المالي في حالة عجز، وإن كان عند مستويات أقل من عام 2024، بسبب استمرار الإنفاق المرتفع.

واعتبر أن أبرز التهديدات التي تواجه الاقتصاد الليبي تتمثل في عدم الاستقرار السياسي المحلي، الذي قد يتطور إلى صراع نشط يعطّل إنتاج النفط ويعيق تنفيذ الإصلاحات. كما نبّه إلى الاعتماد الكبير على صادرات النفط مقابل فاتورة واردات ضخمة، ما يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات العالمية، التي قد تؤثر سلبًا على الاحتياطيات الدولية.

وأخيرًا، أشار الصندوق إلى أن الاحتياطيات الدولية ارتفعت بنحو 5 مليارات دولار أمريكي نتيجة إعادة تقييم احتياطيات الذهب، إلا أن الوضع الخارجي لا يزال أضعف من المستوى المطلوب وفقًا لأساسيات الاقتصاد الكلي والسياسات المثلى على المدى المتوسط.